الخطيب الشربيني

341

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

حصين قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها » « 1 » . وقال الزجاج : أي : إذا اتقى وآثر الحلال والصبر على أهله فتح الله عليه إن كان ذا ضيقة ، ورزقه من حيث لا يحتسب . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ، ومن كل ضيق مخرجا ، ورزقه من حيث لا يحتسب » « 2 » . وَمَنْ يَتَوَكَّلْ أي : يسند أموره كلها معتمدا فيها عَلَى اللَّهِ أي : الملك الذي بيده كل شيء ولا كفء له فَهُوَ أي : الله في غيبه فضلا عن الشهادة بسبب توكله حَسْبُهُ أي : كافيه ما أهمه ، وحذف المتعلق للتعميم ، وحرف الاستعلاء للإشارة إلى أنه كان حمل أموره كلها عليه سبحانه ، لأنه القوي العزيز الذي يدفع عنه كل ضار ويجلب له كل سار إلى غير ذلك من المعاني الكبار ، فلا يبدو له عالم الشهادة شيء يشينه . وقيل : من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية ولم يرد الدنيا ، لأن المتوكل قد يصاب في الدنيا وقد يقتل ، وفي الحديث : « لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا » « 3 » ويؤخذ من هذا أن التوكل يكون مع مباشرة الأسباب لأنه صلى اللّه عليه وسلم قال : تغدو وتروح وهي من المقامات العظيمة . قال البقاعي نقلا عن المولوي : وإلا كان اتكالا ، وليس بمقام بل خسة همة وعدم مروءة ؛ لأنه إبطال حكمة الله التي أحكمها في الدنيا من ترتب المسببات على الأسباب . ا . ه . ولما كان ذلك أمرا لا يكاد يحيط به الوهم بقوله تعالى مهوّلا له بالتأكيد والإظهار في موضع الإضمار : إِنَّ اللَّهَ أي : المحيط بكل كمال المنزه عن كل شائبة نقص بالِغُ أَمْرِهِ أي : جميع ما يريده فلا بد من نفوذه سواء حصل توكل أم لا ، قال مسروق : يعني قاض أمره فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه ، إلا أن من توكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا . وقرأ حفص : بالغ ، بغير تنوين وأمره بالجر مضاف إليه على التخفيف ، والباقون بالتنوين ، وأمره بنصب الراء وضم الهاء . قال ابن عادل : وهو الأصل خلافا لأبي حيان قَدْ جَعَلَ اللَّهُ أي : الملك الذي لا كفء له ولا معقب لحكمه جعلا مطلقا من غير تقييد بجهة ولا حيثية لِكُلِّ شَيْءٍ كرخاء وشدة قَدْراً أي : تقديرا لا يتعداه في مقداره وزمانه وجميع عوارضه وأحواله ، وإن اجتهد جميع الخلائق في أن يتعداه . فمن توكل استفاد الأجر ، وخفف عنه الألم ، وقذف في قلبه السكينة ، ومن لم يتوكل لم ينفعه ذلك ، وزاد ألمه وطال غمه بشدة وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجية . فمن رضي فله

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في العجم الصغير 1 / 16 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 303 ، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين 9 / 388 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 233 ، والمنذري في الترغيب والترهيب 2 / 537 ، 3 / 444 ، 4 / 122 ، 178 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 6273 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الصلاة حديث 1518 ، وابن ماجة في الأدب حديث 3819 ، بلفظ : « من لزم الاستغفار . . . » . ( 3 ) أخرجه الترمذي في الزهد حديث 3344 ، وابن ماجة في الزهد حديث 4164 ، وأحمد في المسند 1 / 30 ، 52 .